التمر في الدّوحة لكن الصلاة خلف مي آل خليفة أدسم: عبده وازن في “إكزوتيك” المنامة عاصمة الثقافة!

 

مرآة البحرين (خاص): لام الشاعر اللبناني عبده وازن في مقال مؤخراً المفكر الفرنسي برنار هنري لأنه “ذهب إلى بنغازي ليعلن أمام كاميرات المصورين مؤازرته للثوار الليبيين” و”إلى ميدان التحرير في القاهرة مؤيداً حركة الانتفاضة إعلامياً”، لكن “تناسى هذا المفكر الإنسانوي الهوية، الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة” (1). وفي ندوة عقدت قبل أشهر قليلة عقب على سؤال بشأن الشعر المكتوب في ظل الثورات، قائلاً “الشعر العربي ليس في مستوى الثورات (…) إذ لم يكن بمستوى اللحظة التاريخية التي قلبت الأنظمة وفجرت حالة جديدة من الوعي الإنساني والسياسي والوجداني في الوطن العربي” (2).

غير أن صحفي الثقافة في “الحياة” وصاحب رواية “قلب مفتوح”، على ما في رأييه هذين من وجاهة، لم يكمل خيره فيقول لنا ما إذا كان “المثقف العربي في مستوى الثورات أو لا”! ومن بينهم نموذج المثقف الذي يمثله. وقد صرنا نعرف الآن، أنه أحد المثقفين العرب، الذين جرى استدعاؤهم للترويج إلى الديكتاتورية الخليجية الصغيرة التي صنفها مؤشر “إيكونوميسيت” للديمقراطية مؤخراً ضمن الدول الديكتاتورية، والمقرر تدشينها خلال أيام عاصمة للثقافة العربية 2012. وما إذا كان مجيئه إلى البحرين، حيث تشهد ثورة منذ 14 فبراير/ شباط، وانخراطه في التسويق إلى “السياسات الثقافية” للدولة البحرينية،  وعاصمتها، في هذا الوقت، يندرج في خانة تقف خلاف المؤاخذة التي سجلهاعلى المفكر هنري أو لا!

 أبناء اللحظة الحاسمة


مي ابراهيم آل خليفة

في أكتوبر/ تشرين الماضي أطل وازن من نافذة أحد المؤتمرات الصحفية في المنامة إلى جوار إحدى وزيرات العائلة المالكة، وراح يتناوب معها في رطانة مضجرة عن مزايا “المنامة عاصمة للثقافة” وسياسات وزارة الثقافة “الجديدة”. ومما قال في هذا السياق “البحرين ليست بغريبة عن الثقافة العربية والعالمية، واختيار المنامة يتوج تكريماً للثقافة البحرينية (…) المنهج الذي تعتمده وزارة الثقافة سيكون جديداً بالنسبة لسائر العواصم الثقافية” (3).

في الخارج، وبينما كان وازن لما يزل مستمراً في كيل أطنان المديح إلى السياسات  الثقافية للدولة، كان البحرينيون، أبناء القرى الفقيرة المعدمة، المحرومة من أن تصبح مثل قرى البرجوازية الحاكمة أو “القرية الثقافية في المحرق” – مثلما يحلو له تسمية بيوتات مي آل خليفة – يشيعون قتلاهم على يد الشرطة، الذين هم من محاسن الصدف، نفسهم، أبناء ما دعاها “اللحظة التاريخية التي قلبت الأنظمة وفجرت حالة جديدة من الوعي الإنساني والسياسي والوجداني في الوطن العربي”.

بل كان موظفو وزارة الثقافة نفسها من فنانين تشكيليين وموسيقيين ومصممين، يتظاهرون أمام وزارة العمل وديوان الخدمة المدنية مطالبين بإعادتهم إلى وظائفهم التي فصلوا منها بقرار وزاري بسبب مواقفهم المؤيدة إلى مطالب الإصلاح التي رفعها ثوار 14 فبراير/ شباط (4).

نقول لم يكمل وازن خيره فيتحدث عن مواقف المثقف العربي من الثورات، ونستعيد بالتوازي مع ذلك لفتة مواطنه الكاتب أسعد أبو خليل الذي أنكر عليه مرة في “تويتر” حديثه في أحد مقالاته الأخيرة عن “عواصم عربية… وثورات”. حيث أشار إلى “مدينة سرت الليبية التي لم تكد تسمى عاصمة للثقافة العربية مطلع هذا العام 2011 حتى اندلعت شرارة الثورة الليبية وانتشرت بسرعة”. وكذلك تساؤله في ذات المقال عن الكيفية التي “ستستقبل بها القاهرة التي شهدت ثورتها التاريخية، هذا الحدث عندما يحين دورها للاحتفال بالثقافة العربية”.

لكنه حين أتى إلى المنامة استنكف حتى عن أن يشير إلى ثورتها التي طالها السحق على يد أحد أكثر الجيوش توتاليتارية في العصر الحديث (السعودي)، فيما صنفتها منظمة “مراسلون بلاحدود” ضمن أخطر 10 عواصم على الصحفيين خلال العام 2011. ليس ذلك فقط؛ بل مضى في تماهي سحري مع الوظيفة “التسويقية” التي عهد له بها من قبل الدولة البحرينية، يزف البشائر لاختيارها عاصمة للثقافة: “الآن تتهيأ المنامة لاحتضان تظاهرة العاصمة الثقافية للسنة 2012، والأمل أن تعيد المنامة إلى هذه التظاهرة الألق الذي فقدته خلال هذا العام، بعدما أضحت سرت عاصمة للثورة العربية” (5). بما يعيد إلى الأذهان الموقف الاستلابي لصنف يعرفه من المثقفين العرب، إزاء الخليج العربي والثقافة الخليجية؛ فلا يتم استحضارهما إلا كهامش غفل قيد التمثيل أو كموضوع “استشراقي”. وإذا حصل أن أعاد أحدهم حسابه، فلن يكون لصالح ثورات “اللحظة التاريخية” – فهؤلاء لا يحق لهم أن يثوروا وثوراتهم ليست ثورات أو تستحق الوقوف عندها ما داموا أغنياء ولديهم نفط! – إنما مجرد إعادة “ترتيب حسابات” مع الأنظمة الخليجية.

الدوحة.. ثقافة وتمر!

والحال، لا يأتي وازن بقرينة تثبت مفارقته للصنف هذا، وخلاف تغاضيه “المحسوب” عن الثورة البحرينية، نجده يورد في مقالة سابقة له عن الدوحة عاصمة الثقافة العربية 2010 هذه الإشارة التي تشي بمضمر حافل بالدلالات: “مرة سألت في أحد معارض الكتب عن برنامج هذه العاصمة، فاستقبلتني المسؤولة عن جناح قطر في المعرض بترحاب وقدّمت لي تمراً” (6). على أن هذا المضمر سيجري تغييبه، ضمناً، حين تكرّ السبحة على المنامة، لا لشيء سوى أن “تمر” وزيرة العائلة الحاكمة مي آل خليفة أغنى وأدسم من تمر “الدوحة”، كيف وقد سلمته الآن قياد الترويج إلى عاصمتها!

ومن تأثير مفعول هذا “التمر” القوي ستأتي كلماته التبجيلية هذه: “لا تؤثر الشيخة مي آل خليفة وزيرة الثقافة في البحرين مبدأ التنظير والإغراق في الكلام النظري، فهي شخصية عملية أو براغماتية، تخطط ثم تنفذ ثم تتكلم”. ويضيف في مقدمة حوار معها نشره في “إيلاف” 14 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في سياق الوظيفة  التسويقية التي أوكلت له: “هذه الوزيرة الآتية من الاختصاص الأكاديمي في علم التاريخ ومن العمل الثقافي الأهلي (…) تبدو أشبه بالمناضلة التي لا تهدأ ولا تستسلم من أجل بلورة المفهوم الثقافي، سياسياً واقتصادياً وشعبياً، ومن أجل ترسيخ الثقافة كأداة للمواجهة ووسيلة لتحقيق الذات والتحرّر” (7).

 الحلاوة التي تأتي بالخرس
على أن ذلك كذلك، ستسقط من سجلات المثقف العتيد، ليست فقط الدوحة عاصمة الثقافة التي “لم يتناه إلينا أي صدى لحدث ثقافي شهدته هذه العاصمة”، إنما الخرطوم أيضاً عاصمة للثقافة العربية 2005. وفي دواعي هذا الإسقاط أو التسقيط، لافرق، يسجل وازن المؤاخذة التالية: “مَن يتابع الفضائية السودانية يلحظ كم أنّ الإعلام السوداني متأخّر عن الإعلام العربيّ وعلى مستويات عدّة، تقنياً وفنياً ناهيك بنشرات الأخبار والبرامج التي يغلب عليها الطابع الفولكلوري” (8).

وجيد أن يُسأل وازن في هذا السياق، وهو الذي يتردد على البحرين 3 مرات في السنة، مرة محكماً جوائز “الشيخة المناضلة”، ومرة شاعر بيوتاتها، ومرة “خطيباً” في مؤتمرات الترويج لها عاصمة للثقافة، ما إذا كانت قد مرت عليه إشارة تقرير اللجنة الملكية لتقصي الحقائق في أحداث فبراير/ شباط ومارس/ آذار الماضيين التي أمرت بتشكيلها الدولة بشأن البرامج التي يقدمها تلفزيون البحرين من أنها “مهينة وحاطة بالكرامة” في حق طائفة إثنية. بل في حق المثقفين أبناء “الكار” زملائه الذين راح تلفزيون “عاصمة الثقافة” في أبريل/ نيسان ومايو/ أيار يعرض صورهم موسومة بالدوائر الحمراء  لدى مشاركتهم في المسيرات، لتباشر السلطات في اليوم التالي اعتقالهم أو فصلهم من أعمالهم. يُسأل عبده وازن عن كل هذا، وما إذا كان كل ذلك مما يستحق الاستعار، استعاره ذاك من “التمر القطري” و”تلفزيون الخرطوم” سواءاً بسواء… أم أن حلاوة “التمر البحريني” هي من النوع الذي يأتي بالخرس!


هوامش:

  1. انظر مقالته “فضيحة سيلين”
  2. للمزيد حول موقفه من الشعر بعد ثورتي تونس ومصر
  3. للمزيد حول تصريحاته في مؤتمر الإعلان عن المنامة عاصمة الثقافة
  4. للتعرف على المزيد بشأن استهداف الثقافة والمثقفين خلال ثورة 14 فبراير/ شباط:
  5. اقرأ مقالته “عواصم… وثورات”
  6. انظر رأيه حول اختيار الدوحة عاصمة للثقافة 2010
  7. اقرأ حواره مع مي آل خليفة في سياق الوظيفة الترويجية التي أوكلت له
  8. اقرأ له “الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s